
رقصة الأبصارا مجرد ابتكار فرنسي وليست أثرًا قديمًا
عندما تتهادى راقصات الأبصارا بأزيائهن الفاخرة على المسارح العالمية، مروجًا للرقصة كـ "تراث أصيل متوارث منذ ألف عام من أنجكور وات"، قد يصدق الكثيرون ذلك بغير تشكيك... ولكنใน الحقيقة، ما تراه وتسمعه ليس سوى "ابتكار تاريخي" صيغَ تحت مظلة الاستعمار الفرنسي!
بدأت خيوط الحقيقة تنكشف عندما أخذ الباحثون يفَككون الخطاب السياسي الذي غلف التاريخ الكمبودي لقرابة قرن من الزمان.
**من الظلال السيامية إلى الابتكار الاستعماري**
في منتصف القرن التاسع عشر، وقبل العصر الاستعماري، كان البلاط الملكي الكمبودي في عهد الملك أنغ دوونغ (Ang Duong) مرتبطًا بشكل وثيق ببلاط بانكوك. وكانت الفنون والحضارة، بما في ذلك المسرح والرقص البلاطي، مستمدة بشكل أساسي من سيام وخاضعة لتأثيرها فقد اعتمد الرقص والمسرح البلاطي الخميري بشكل أساسي على أساليب ومدربي ونصوص سيام.
ولكن مع دخول فرنسا لسيطرة على الهند الصينية، ولقطع الروابط الثقافية وتأسيس شرعية سياسية، كان على السلطة الاستعمارية صياغة رواية جديدة. وقدم شخصية بارزة مثل جورج غรอสลิเยร์ (George Groslier)، الباحث الفرنسي ومؤلف كتاب _Danseuses cambodgiennes, anciennes et modernes_ (1913)، فكرة تربط الرقص البلاطي الكمبودي بشكل مباشر بحضارة أنجكور القديمة، مؤكدًا أنه تراث مقدس متوارث من حوريات "الأبصارا" المنحوتة على الجدران الحجرية، ومครّสًا هذه الصورة الذهنية كتراث وطني.
**ذروة التحول: ولادة "رقصة الأبصارا" والهوية المُبتكرة**
بعد استقلال كمبوديا في عام 1953، تبنت النخبة الكمبودية الرواية الفرنسية وطورتها لبناء "القومية الخميرية":
رقصة الأبصارا (Apsara Dance) هي مجرد ابتكار حديث:* لم تكن هذه الرقصة موجودة منذ حقبة أنجكور وات، بل تم ابتكارها وتصميمها في منتصف القرن العشرين (بقيادة الملكة سيسواث كوساماك) من خلال محاكاة الأزياء والحركات من النقوش الحجرية لتُعرض على المسارح.
تقليل التأثير السيامي:* في الرواية الرسمية الوطنية، تم تمحيص ومحو التأثير الثقافي السيامي، بينما تم التركيز على الرابطة مع أنجكور باعتبارها الحقيقة الوحيدة المطلقة.
**فك اللغز: لماذا يختلف رقص الأبصارا الكمبودي تمامًا عن رقص سكان جنوب شرق تايلاند؟**
إن هذه النقطة بالذات توضح اللغز التاريخي بشكل جلي! فلو كانت رقصة الأبصارا تراثًا شعبيًا قديمًا متوارثًا عبر الأجيال والعرق، لكان من المفترض أن تكون رقصات التايلانديين من أصول خميرية في منطقة إيسان الجنوبية (مثل سورين، وبوريرام، وسيسَاكيت) الذين يعيشون حول المعابد الحجرية القديمة مثل "فانوم รุง" (Phanom Rung) و"بيماي" (Phimai)، مطابقة أو مشابِهة لرقصة الأبصارا الكمبودية بشكل وثيق.
لكنใน الواقع، فإن الرقص التقليدي لسكان جنوب إيسان (مثل رقصة "روام كانتروم" Ruam Kantrum أو الرقصات الشعبية) يمتلك إيقاعات وحركات وموسيقى وطابعًا يختلف تمامًا عن عرض رقصة الأبصارا الكمبودية!
وهذا يعود إلى:
1. رقصة الأبصارا الكمبودية هي تقليد مبتكر (Invented Tradition): أنشئت في البلاط الملكي ببนม بنه في القرن العشرين مستوحاة من النقوش الحجرية، وليست تقليدًا مارسه عامة الشعب وتوارثوه طبيعيًا.
2. رقص سكان جنوب إيسان التايلاندي هو تراث شعبي أصيل: إنه موروث ثقافي محلي نما وتوارثته الأجيال عبر أسلوب الحياة اليومية والحياة المجتمعية والطقوس الحقيقية، دون أن يتأثر بسياسات بناء الأمة الفرنسية.
وكما خلصت دراسة هيديو ساساغاوا بعنوان "Post/colonial Discourses on the Cambodian Court Dance" بشكل قوي—فإن الرواية التاريخية للرقص البلاطي الكمبودي لم تنشأ بمعزل عن السياسة، بل صيغت وحُوِّرت من قبل فرنسا والنخبة لتحقيق أهداف سياسية في العصر الاستعماري.
يعرض هذا الفيديو رقصة الأبصارا وفقًا لنمط البلاط الملكي الكمبودي، مما يوضح بوضوح طبيعة الحركات والأزياء المبتكرة والمستوحاة من نقوش أنجكور وات.

